احمد يوسف الخضمي

احمد يوسف الخضمي


 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تابع العلمانية نشأتها وتطورها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد يوسف الخضمي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 274
تاريخ التسجيل : 11/06/2010

مُساهمةموضوع: تابع العلمانية نشأتها وتطورها    الخميس يوليو 01, 2010 4:33 am

ولم تعد لهم رغبة في رؤية مملكة الرب موطدة في قلوب الناس، فقد نسوا ذلك الأمر، وأصبحوا يرغبون في رؤية قوة الكنيسة التي هي قوتهم هم متسلطة على شئون البشر، وكانوا في سبيل توطيد تلك القوة على أتم استعداد للمساومة مع أي شئ، حتى البغض والخوف والشهوات المستقرة في قلوب البشر، ونظرا لأن كثيرا منهم كانوا على الأرجح يرون الريبة في سلامة بنيان مبادئهم الضخم المحكم وصحته المطلقة، لم يسمحوا بأية مناقشة فيه، كانوا لا يحتملون أسئلة، ولا يتسامحون في مخالفة، لا لأنهم على ثقة من عقيدتهم، بل لأنهم كانوا غير واثقين فيها، وقد تجلى في الكنيسة في القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشكوك الشديدة التي تنخر بناء مدعياتها بأكمله، وقد تجعله أثرا بعد عين، فلم تكن تستشعر أي اطمئنان، وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان، كما تبحث العجائز الخائفات عن اللصوص تحت الأسرة وفي الدواليب قبل الرجوع إلى فراشهن"(1).
وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله، مثل حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلة، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحق الغفران أدى إلى المهزلة التاريخية، "صكوك الغفران" السالفة الذكر، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحا مخيفا للأفراد والشعوب في آن واحد، فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال "فردريك" وهنري الرابع الألماني، وهنري الثاني الإنجليزي، ورجال الدين المخالفين من آريوس حتى لوثر، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من "برونو" إلى "أرنست رينان" وأضرابه.
__________
(1) معالم تاريخ الإنسانية: (3/902).

(1/109)


--------------------------------------------------------------------------------

وأما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز وبين البابا، فحرمه البابا وحرم أمته، فعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان والاضطراب حتى عاد يوحنا صاغرا يقر بخطيئته ويطلب الغفران من البابا، ولما رأى البابا ذله وصدق توبته رفع الحرم عنه وعن الأمة(1).
أما حق التحلة، فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة -مصلحتها هي- ذلك(2).
على أن الكنيسة لم تقتصر على هذا، بل طبقت عمليا ما يثبت إصرارها على الطغيان، وحشدت الجيوش الجرارة لمحاربة من سولت له نفسه مخالفة آرائها أو اعتنق ما يخالف عقيدتها، ولا نعني بذلك المسلمين أو اليهود، بل الطوائف النصرانية التي اختلفت مع الكنيسة في قضية من قضايا العقيدة أو الشريعة.
ومن أوضح الشواهد على ذلك في العصور الوسطى ما تعرض له "الكاثاريون" و" الوالدونيون" الذين لم يتخلوا عن الدين، بل كانوا يطالبون بحياة مسيحية حقيقية، تستمد مقوماتها من الكتاب المقدس نفسه، وأنكروا على الكنيسة ثراءها ودنيويتها، ومع ذلك فقد أعلنت الكنيسة الحرب عليهم، وحرض البابا " أنوسنت" كما يقول ويلز: على حرب صليبية ضد هذه الشيع، وأذن لكل نذل زنيم أو متشرد أثيم أن ينضم إلى الجيش وأن يعمل السيف والنار واغتصاب الحرائر، ويرتكب كل ما يمكن أن يتصوره العقل من أنواع انتهاك الحرمات ويعلق المؤرخ الإنجليزي على ذلك بقوله:
__________
(1) انظر: حرية الفكر سلامة موسى: (56).
(2) معالم تاريخ الإنسانية: (3/896).

(1/110)


--------------------------------------------------------------------------------

"القصص التي تروى عن هذه الحروب الصليبية تحكي لنا من أضرب القساوة والنكال البشع ما يتضاءل إزاء بشاعته قصة استشهاد المسيحيين على أيدي الوثنيين، وهي فوق هذا تسبب لنا رعبا مضاعفا لما هو عليه من صحة لا سبيل إلى الشك فيها، كان هذا التعصب الأسود القاسي روحا خبيثا... يتعارض تماما مع روح يسوع الناصري، فما سمعنا أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذهنية"(1).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد لا سيما بعد أن اتضح للكنيسة الأثر الإسلامي الظاهر في الآراء المخالفة لها، فأنشأت ذلك الغول البشع والشبح المرعب الذي أطلق عليه اسم "محاكم التفتيش"، ولا يفوتنا أن نقول: إن الضحية الأولى لمحاكم التفتيش كانت المسلمين الأندلسيين الذين أبيدوا إبادة تامة بأقسى وأشنع ما يتخيله الإنسان من الهمجية والوحشية، ثم ظلت تمارس أعمالها على مخالفي الكنيسة وإن لم يكونوا مسلمين أو متأثرين بالحضارة الإسلامية.. وانتقلت من أسبانيا إلى بقية أقاليم الكنيسة، وكانت المحكمة الأم لها هي "المحكمة المقدسة" في روما، ولا يكاد المؤرخون الغربيون يتعرضون للحديث عنها إلا ويصيبهم الاضطراب، وتتفجر كلماتهم رعبا، فما بالك بالضحايا الذين أزهقت أرواحهم والسجناء الذين أذاقتهم ألوان المر والنكال!
__________
(1) معالم تاريخ الإنسانية (3/905).

(1/111)


--------------------------------------------------------------------------------

"كان الإنسان في تلك العصور يكبس منزله وهو هادئ وادع، فيحمل في جوف الليل ويعتقل الأشهر بل السنين وهو لا يدري ماهية التهمة التي سيتهم بها، لأن "خصما" له من الجيران قد أبلغ المحكمة بأنه سمعه يقول كيت وكيت عن الرؤيا أو عن الثالوث أو عن المعجزات، ثم إذا أصر المتهم على إنكار ما نسب إليه من التهمة جاز للمحكمة تعذيبه بأن تقطعه أشلاء شلوا بعد شلو أمام عينيه، وأن تقرض لحمه بالمقراض، وأخيرا تحرقه"(1).
وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب، وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري، وكان الزبانية يبدءون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا" حتى يهشم الجسم كله ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم، وكان لدى المحكمة آلات تعذيبية أخرى منها: آلة على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، يلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيتمزق جسمه إربا إربا، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد فتقصه قطعة قطعة، وتغرز في أثداء النساء حتى تتقطع كذلك.
وصور أخرى تتقزز منها النفوس وتشمئز لذكرها(2).
__________
(1) حرية الفكر.
(2) انظر: التعصب والتسامح محمد الغزالي، وأسبانيا أرضها وشعبها (الفصل الثامن) دورثي لودر.

(1/112)


--------------------------------------------------------------------------------

وبفضل هذا الإرهاب البالغ والطغيان العاتي، عاش الناس تلك الأحقاب ترتعد قلوبهم وترتجف أوصالهم عند ذكر الكنيسة، ووقف كبار الفلاسفة والنقاد مبهوتين مطرقين، لا يجرؤ أحدهم على التصريح بأنه لا يؤمن بالمسيحية مهما كانت آراؤه مخالفة لتعاليمها، ولم يداخل العلماء الأفذاذ آنذاك مثل " نيوتن، وبيكون، وديكارت وكانت" أن يعترضوا على عقائد الكنيسة الفجة -لا سيما التثليت والخطيئة والاستحالة-، أو على الأقل يجاهروا بمخالفتها، بل يخيل إلى الباحث أنهم كانوا يعيشون فترة من فقدان الوعي تجاه هذه العقائد رغم نبوغهم في مجالات أخرى، وإن كان للموضوع جانب آخر سنتناوله فيما بعد، إن شاء الله.
يقول برنتن: "لم يكن بوسع الكثيرين من أفراد المجتمع الغربي أن يعترفوا صراحة وجماعة بالإلحاد أو اللاأدارية أو بمذهب الاتصال بالله أو بأية عقيدة أخرى غير المسيحية إلا خلال القرون القلائل الأخيرة، وقد كان الكفار الذين يجاهرون بكفرهم قلة نادرة في الألف سنة التي استغرقتها القرون الوسطى، ولما كان الناس جميعا مسيحيين فلم يكن هناك مفر من أن تكون المسيحية هي كل شئ لكل الناس، فلقد كان القديس فرانسيس وإرازمس ولويولا وميكافيلي وباسكال ووزلي ونابليون وغلادستون وجون روكفلر جميعا مسيحيين"(1).
ثانيا: الطغيان السياسي:
__________
(1) أفكار ورجال: (207).

(1/113)


--------------------------------------------------------------------------------

طبيعي جدا أن يكون لرجال الدين سلطة سياسية في الأمة التي تدين بدينهم، بل إن الافتراض الذي لا يصح سواه هو أن تكون أزمة الأمور كلها -والسياسة خاصة- في يد فئة مؤمنة متدينة تطبق شريعة الله وتقيمها في واقع الحياة، لكن الذي لا يصح على الإطلاق هو أن يتحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين، مع نبذ شريعة الله وإسقاطها من الحساب ليحل محلها شهوة عارمة للتسلط ورغبة شرهة في الاستبداد، ومفاد ذلك أنه لا حرج على الكنيسة في تقويم انحرافات الملوك وممارسة الضغوط عليهم، إذا سولت لهم أنفسهم خرق التعاليم الدينية وتجاوز الأوامر الإلهية لتردهم إلى حظيرة الدين وتعبدهم لله وحده، فهذا عين مهمتها في الحياة ولا ينبغي لها بحال أن تتخلى عنها، أما أن تسهم الكنيسة في طمس الدين وتعطيل الشريعة ثم تفرض نفسها وصية على الملوك والأمراء وترغمهم على الخضوع المذل لها وتجعل معيار صلاحهم منوطا" بمقدار ما يقدمونه لها من مراسم الطاعة وواجبات الخدمة، لا بمقدار ما يحفظون حدود الله ويستقيمون على منهجه، فذلك هو الأمر الشائن والعيب الفاضح، ومع هذا فهو الذي حصل بالفعل للكنيسة المسيحية طيلة عصور ازدهارها.
لقد ظلت النفسية الأوروبية تعاني تمزقا رهيبا، ما تزال آثاره ممتدة إلى اليوم بسبب الصراع المزمن الذي دار بين الكنيسة وبين الملوك، والمنافسة الشديدة بين الطرفين للقبض على مقاليد المجتمع وكسب ولاء الأفراد.
ولم تكن الحرب بين أتباع البابوات وأنصار الأباطرة أو "الجوالف والجبليين" -كما يعرفهم التاريخ الأوروبي- إلا حربا بين حزبين متناحرين لا يكاد أحدهما يتميز عن الآخر إلا في الشعارات التي يخفي تحتها مطامعه الدنيوية البحتة.

(1/114)


--------------------------------------------------------------------------------

كان ملوك أوروبا يضيقون ذرعا بتدخل الكنيسة المتعنت في كل شئونهم، ذلك التدخل الذي لا يجدون له مبررا على الإطلاق، وفي نظرهم لم يكن لرجال الدين عليهم ميزة إلا "القداسة" ومع ذلك فهم أيضا" مقدسون، إن لم يكن بأنفسهم فبنسبهم.
يقول فيشر: "كانت الأسر الحاكمة في أوروبا تستمد بقاءها من صلتها النسبية بأحد القديسين، فيرثون منه قداسته ولا يبالي الشعب بعد ذلك بتصرفاتهم لأنهم مقدسون"(1).
وقد جرؤ ادوارد الأول ملك انجلترا، وفيليب الجميل ملك فرنسا، على القول بأنه: "ليس من الضروري أن يخضع الملك للبابا لكي يحظى بالجنة في الآخرة، وأن كلا منهما قد نوى أن يكون سيدا في مملكته وأن شعبه يؤيده في هذه النية تمام التأييد"(2).
إذن فقد كان غاية ما يطمح إليه أولئك أن تكف الكنيسة عن فرض وصايتها السياسية والدينية عليهم، دون أن يفكروا في تقويض بنيانها أو الخروج على تعاليمها.
لكنهم كانوا في واد والكنيسة في واد، فقد كانت ترى أن خضوع الملوك لها ليس تطوعا منهم، بل واجبا يقتضيه مركزها الديني وسلطانها الروحي.
جاء في البيان الذي أعلنه البابا " نقولا الأول" قوله: "إن ابن الله أنشأ الكنيسة: بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وأن أساقفة روما ورثوا بطرس في تسلسل مستمر متصل... (ولذلك) فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاما كانوا أو محكومين"(3).
أما البابا الطاغية "جريجوري السابع" فقد أعلن أن الكنيسة بوصفها نظاما إلهيا خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه -بصفته خليفة الله في أرضه- أن يخلع الملوك غير الصالحين، وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم، حسب مقتضيات الأحوال".
__________
(1) تأريخ أوروبا في العصور الوسطى: (1/71).
(2) تأريخ أوروبا في العصور الوسطى، فشر: (1/260).
(3) قصة الحضارة: (14/352).

(1/115)


--------------------------------------------------------------------------------

وسخر من الملوك والشعوب بقوله: "من ذا الذي يجهل أن الملوك والأمراء يرجعون بأصولهم إلى الذين لا يعرفون الله، ثم يتعالون ويصطنعون العنف والغدر ويرتكبون جميع أنواع الجرائم، ويطالبون بحقهم في حكم من لا يقلون عنهم -أي: الشعب- جشعا وعماية وعجرفة لا تطاق"(1).
وليس ثمة شك في أن النصر ظل حليف الكنيسة طيلة القرون الوسطى، بسبب سلطتها الروحية البالغة وهيكلها التنظيمي الدقيق واستبدادها المطلق، ولذلك فقد كان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة، كما كان في إمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة، ولم يكن باستطاعة أحد الانفلات من ذلك، ومن رفض الرضوخ فإن حكمه غير شرعي، ومن حق البابوية أن تعلن الحرب الصليبية عليه وتحرم أمته، ولا يعوزنا الاستشهاد على ذلك من التاريخ الأوروبي، فالأمثلة فيه كثيرة، ولعل خير مثال لذلك حادثة الامبراطور الألماني "هنري الرابع" المشهورة مع البابا جريجوري السابع وذلك أن خلافا نشب بينهما حول مسألة "التعيينات" أو ما يسمى "التقليد العلماني" فحاول الامبراطور أن يخلع البابا، ورد البابا بخلع الامبراطور، وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الامبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا، فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الامبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا فضرب بكبريائه عرض الحائط، واستجمع شجاعته وسافر مجتازا جبال الألب والشتاء على أشده، يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا في تسكانيا وظل واقفا في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان متدثرا بالخيش حافي القدمين عاري الرأس، يحمل عكازة مظهرا كل علامات الندم، وأمارات التوبة، حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم(2)
__________
(1) المرجع السابق: (14/394) وفيشر: (2/147).
(2) انظر: فيشر، وويلز، وقصة الحضارة.

(1/116)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي بريطانيا حدثت قصة أخرى مماثلة: فقد حصل نزاع بين الملك هنري الثاني وبين " تومس بكت" رئيس أساقفة كنتربري، بسبب دستور رسمه الملك يقضي على كثير من الحصانات التي يتمتع بها رجال الدين، ثم إن رئيس الأساقفة اغتيل، فروعت المسيحية وثار ثأرها على هنري ودمغته بطابع الحرمان العام، فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة وأعلن للبابا براءته من الجريمة، ووعد بأن يكفر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها، وألغى الدستور، ورد إلى الكنيسة كل حقوقها وأملاكها، وبالرغم من ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى كنتر بري حاجا نادما، ومشى الثلاثة أميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصوان، حافي القدمين ينزف الدم منهما، ثم استلقى على الأرض أمام قبر عدوه الميت، وطلب من الرهبان أن يضربوه بالسياط، وتقبل ضرباتهم وتحمل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا وأتباعه(1).
وأعظم زعيم تحدى سلطات الكنيسة واستطاع مقاومتها مدة غير يسيرة، هو الامبراطور " فردريك الثاني" وتعود صلابته إلى المؤثرات الإسلامية في ثقافته وشخصيته، فقد كان مجيدا للعربية مغرما بالحضارة الإسلامية، حتى أن الكنيسة اتهمته باعتناق الإسلام وسمته "الزنديق الأعظم" أما المفكرون المعاصرون فيسميه بعضهم "أعجوبة العالم" وبعضهم "أول المحدثين".
__________
(1) انظر: قصة الحضارة (15/194) وما بعدها.

(1/117)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد اشتد النزاع بينه وبين البابا "جريجوري التاسع" بسبب رفضه القيام بحملة صليبية على الشرق - وكانت الكنيسة تعد الملوك جنودا طائعين لها... فحرمه البابا وشهر به في رسالة علنية عدد فيها هرطقاته وذنوبه، فكان على الامبراطور أن يدفع التهمة عن نفسه برسالة وصفها ويلز بأنها "وثيقة ذات أهمية قصوى في التاريخ، لأنها أول بيان واضح صريح عن النزاع بين مدعيات البابا في أن يكون الحاكم المطلق على عالم المسيحية بأسره، وبين مدعيات الحكام العلمانيين، وقد كان هذا النزاع يسري على الدوام كالنار تحت الرماد، ولكنه كان يضطرم هنا على صورة ما ويتأجج هناك على صورة أخرى، ولكن فردريك وضع الأمر في عبارات واضحة عامة، يستطيع الناس أن يتخذوها أساسا لاتحادهم بعضهم مع بعض(1) للوقوف في وجه الكنيسة.
على أن فردريك كان ظاهرة فذة لم تلبث أن تختفي تحت قهر قرارات الحرمان والسطوة الكنسية الباغية، ولم يعرف التاريخ الأوروبي من يماثله إلا بعد أجيال عديدة.
ثالثا: الطغيان المالي:
يستطيع المرء أن يقول دون أي مبالغة: إن الأناجيل المسيحية لم تنه عن شيء نهيها عن اقتناء الثروة والمال، ولم تنفر من شيء تنفيرها من الحياة الدنيا وزخرفها، حتى أن المتأمل في الأناجيل -رغم تحريفها- لابد أن يؤخذ بروعة الأمثلة التي ضربها المسيح -عليه السلام- للحياة الدنيا ومتاعها الزائل، كما أنه سيرى من سيرة المسيح العملية ما يؤيد مواعظه البليغة، فقد كان هو وحواريوه ورعين زاهدين ينظرون بعين المقت والازدراء إلى الكنوز المكدسة التي يحوزها بنو جنسهم "اليهود".
__________
(1) معالم تاريخ الإنسانية: (5/224). وانظر: كتاب الزنديق الأعظم: جوزيف جاي ديس، ترجمة أحمد نجيب هاشم.

(1/118)


--------------------------------------------------------------------------------

وجاءت القرون التالية فشهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين واقع الكنيسة العملي، فقد تشددت الكنيسة جدا حتى حرمت ما أحل الله من الطيبات، واقتبست النظرة البوذية التشاؤمية للحياة الدنيا -كما مر سلفا- وفي الوقت نفسه كانت سيرتها الذاتية صفحة مخزية من التهالك على الدنيا وامتصاص دماء الأتباع، بما لا يضارعها فيه أثرياء اليهود وكبار الملاك الإقطاعيين الذين تسميهم الكنيسة "دنيويين" في حين أن المسيح يقول: "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله"(1).
ويقول لتلاميذه: "ولا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا"(2).
وفي الوقت الذي تفرض فيه الكنيسة على أتباع دينها التقشف والزهد، نجد حال الكنيسة نفسها مغايرا لروح وصايا المسيح ولمقتضى ما تدعو الناس إليه.
يقول " كرسون": "كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة، كل ذلك خيرا للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ، أما أساقفة البلاد والشخصيات الكهنوتية الكبيرة، فقد كان لهم شيء آخر: البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء، والشهرة في مجالس الخاصة، والعجلات والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب"(3).
خلاصة مظاهر الطغيان الكنسي:
ونستطيع أن نلخص مظاهر الطغيان الكنسي في هذا المجال بما يلي: -
1-الأملاك الإقطاعية:
__________
(1) مرقص (10: 22).
(2) متى: (10) (ك:10-10).
(3) المشكلة الأخلاقية: (167).

(1/119)


--------------------------------------------------------------------------------

يقول "ديورانت": "أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان "دير فلدا" مثلا، يمتلك (15000) قصر صغير، وكان دير "سانت جول" يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان "الكوين فيتور" (أحد رجال الدين) سيدا لعشرين ألفا من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية... وهكذا أصبحت الكنيسة جزءا من النظام الإقطاعي". "وكانت أملاكها الزمنية -أي: المادية- وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين، ومصدرا للجدل والعنف بين الأباطرة والباباوات"(1).
2-الأوقاف:
كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافا للكنيسة بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة وبناء الكنائس وتجهيز الحروب الصليبية، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف، حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، وقد قال المصلح الكنسي " ويكلف" وهو من أوائل المصلحين: "إن الكنيسة تملك ثلث أراضي انجلترا، وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف، وأتهم رجال الدين بأنهم "أتباع قياصرة لا أتباع الله"(2).
3-العشور:
فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة "العشور"، وبفضلها كانت الكنيسة تضمن الحصول على عشر ما تغله الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين.
__________
(1) قصة الحضارة: (14/425).
(2) انظر: تأريخ أوروبا فيشر (2/362-364).

(1/120)


--------------------------------------------------------------------------------

يقول ويلز: "كانت الكنيسة تجبي الضرائب، ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب، بل فرضت ضريبة العشور على رعاياها، وهي لم تدع إلى هذا الأمر بوصفه عملا من أعمال الإحسان والبر، بل طالبت به كحق"(1).
ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئا من ذلك، فالشعب خاضع تلقائيا لسطوتها، أما الملوك فقد كانوا يخشون بأسها من جهة كما كانت بها مصالح مشتركة من جهة أخرى، إذ كانت هي أيضا تمدهم بأسباب البقاء.
يقول تولستوي: "لقد استولى حب السلطة على قلوب رجال الكنيسة كما هو مستول على نفوس رجال الحكومات، وصار رجال الدين يسعون لتوطيد سلطة الكنائس من جهة ويساعدون الحكومات على توطيد سلطتها من جهة أخرى"(2).
إذن فمصلحة السلطتين تقتضي بقاء الأوضاع على صورتها الواقعة.
4-ضريبة السنة الأولى:
لم تشبع الأوقاف والعشور نهم الكنيسة الجائع وجشعها البالغ، بل فرضت الرسوم والضرائب الأخرى، لا سيما في الحالات الاستثنائية: كالحروب الصليبية والمواسم المقدسة، وظلت ترهق بها كاهل رعاياها، فلما تولى البابا يوحنا الثاني والعشرون جاء ببدعة جديدة هي "ضريبة السنة الأولى" وهى مجموعة الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية، تدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت الكنيسة موردا ماليا جديدا(3).
5-الهبات والعطايا:
__________
(1) معالم تاريخ الإنسانية: (3/895).
(2) أحاديث في السياسة والإجتماع للحصري: (301).
(3) انظر: تاريخ أوروبا فيشر (2/380).

(1/121)


--------------------------------------------------------------------------------

كانت الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق والرياء، أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة، وصحيح أن الكنيسة لم تطالبهم بذلك، لكنهم لولا معرفتهم بحرصها على الدنيا وإمكان استمالتها بطريق البذل والعطاء لما فعلوا ذلك، كما أنهم كانوا يخشون غائلة غضب الكنيسة بحرمانهم من المغفرة عند الاحتضار على الأقل، وقد قويت هذه الدوافع بعد مهزلة صكوك الغفران إذ انهالت التبرعات على الكنيسة وتضخمت ثروات رجال الدين كما أسلفنا.
هذا ولا ننسى المواسم المقدسة والمهرجانات الكنسية التي كانت تدر الأموال الطائلة على رجال الكنيسة، فمثلا "في سنة (1300م) عقد مهرجان لليوبيل، واجتمع له جمهور حاشد من الحجاج في روما، بلغ من انثيال المال إلى خزائن البابوية أن ظل موظفان يجمعان بالمجاريف الهبات التي وضعت عند قبر القديس بطرس"(1).
6-العمل المجاني "السخرة":
سبق القول بأن الكنيسة تملك الإقطاعيات برقيقها، وأن بعض رجال الدين كان يملك الآلاف من الأرقاء، غير أن ذلك لم يقنع الكنيسة، بل أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها، لا سيما بناء الكنائس والأضرحة، وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملوا بالمجان لمصلحتها مدة محددة هي في الغالب يوم واحد في الأسبوع، ولا ينالون مقابل ذلك جزاء ولا شكورا.
وهكذا كانت الجماهير ترزح تحت أثقال الكنيسة وأعبائها المالية المرهقة، وكان الملوك والأباطرة ورجال الدين الصغار يحسون بذلك أيضا، ويتحينون الفرصة لإعلان احتجاجهم.
ومن الذين تضجروا من ذلك ودفعتهم جرأتهم إلى الاحتجاج العلني: الملك لويس التاسع ملك فرنسا، الذي كتب إلى البابا رسالة احتجاجية خطيرة بالنسبة لعصرها، قال فيها: "إن الذي يشتد في إدرار الأضراع لابد أن يصيب الدم من حلماتها".
__________
(1) معالم تاريخ الإنسانية/ (3/913).

(1/122)


--------------------------------------------------------------------------------

أما رجال الدين فقد كان أحد الموضوعات التي نظر فيها المجلس الديني العام المنعقد في ليون سنة (1246م) شكوى مقدمة من بعضهم يستغيثون فيها من مطالب البابا والكنيسة الأم(1).
ولكن هذه الاحتجاجات والاستغاثات ظلت صرخة في واد ولم تزحزح الكنيسة عن موقفها، وظلت الأمور على هذه الوتيرة حتى تضافرت عوامل أخرى سيأتي الحديث عنها فيما بعد بإذن الله.
- الفصل الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم:
الصراع بين الدين والعلم مشكلة من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي إن لم تكن أعمقها قاطبة، فمنذ عصر النهضة إلى عصرنا الحاضر والصراع على أشده بين مؤيدي العلم وأنصار الدين، ورغم كل الظواهر البارزة في الحياة الغربية التي تؤكد أن المعركة قد انتهت وأن العلم انتصر بصفة نهائية على خصمه اللدود، فإن هناك ما يدل دلالة قوية على أن الدين، أو على الأصح بعض قضاياه الاعتقادية والسلوكية، لم تكن في عصر من العصور أقوى حجة منها في هذا العصر، لا سيما بعد أن تنكرت الثقافة الغربية لأفكار القرن التاسع عشر التي تتسم بخاصيتي "الإطلاق والعقلانية " واعتنقت نظريات القرن العشرين التي تتميز بالنسبية واللامعقول.
ولذلك فقد خيل للكثيرين أن المعركة لم ولن تنتهي، وأنها باقية ما بقيت المعرفة الإنسانية، وساعد على ترسيخ هذه الفكرة تقبل النفسية الأوروبية للازدواجية في كل شيء، وهو التقبل الذي تولد من خضوعها المستمر لسلطتين متباينتين، وإيمانها الطويل بفكرتين متناقضتين.
__________
(1) انظر: آخر الجزء الأول من تاريخ أوروبا من (ص:259).

(1/123)


--------------------------------------------------------------------------------

وقليل منهم من فطن إلى السر الكامن وراء استمرارية المعركة دون نتيجة نهائية حاسمة، والواقع أن السبب الحقيقي في ذلك يمكن إدراكه بسهولة لو أن الإنسان الغربي -من أي الفريقين- تخلى عن غروره وتبجحه، ونظر إلى المشكلة نظرة تقييمية مجردة، وذلك أن أي خصمين يملك كل منهما نصف الحقيقة لا يمكن أن ينتصر أحدهما على الآخر انتصارا نهائيا.
وبتطبيق هذه البدهية على الصراع بين العلم والدين الأوروبيين، نجد أن المواقع التي احتلها العلم من مناطق نفوذ الدين هي -في الحقيقة- المواقع التي انتصر فيها العقل واليقين على الخرافة والوهم، كما أن المواقع التي صمد فيها الدين أمام الهجوم العلمي الكاسح هي المواقع التي انتصرت فيها الحقيقة الموحاة على التخرصات والأهواء.
وحينئذ نستطيع أن نقول مطمئنين: إن الحق في كل من الطرفين هو الذي انتصر -أو سينتصر- على الباطل في كليهما، وأنه لو كان الدين الأوروبي حقا خالصا والعلم الأوروبي يقينا مجردا لما حدثت معركة على الإطلاق.
وبما أن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة، فإن الأوفق أن نسمي ما حدث في الغرب صراعا بين الكنيسة والعلم، وليس بين الدين والعلم.
ومن المؤسف حقا أن جناية رجال الدين الأوروبيين -على الحقيقة- كانت أشنع وأنكى من جناية أنصار العلم عليها، وإن كان كل منهما مسئولا عن النتائج المؤسفة لذلك الصراع، ذلك أن الكنسية ارتكبت خطأين فادحين في آن واحد:
- أحدهما: تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلطها بكلام البشر.
- والآخر: فرض الوصاية الطاغية على ما ليس داخلا في دائرة اختصاصها.
والخطأ الأول مسئول عن تسرب الخرافات الوثنية والمعلومات البشرية إلى كثير من تعاليم المسيحية، إذ جعلتها الكنيسة عقائد إلهية تدخل في صلب الدين وصميمه، وعدت الكفر بها كفرا بالوحي والدين.

(1/124)


--------------------------------------------------------------------------------

والخطأ الثاني نشأ عن ضيق صدر الكنيسة بما يخالف تعاليمها الممزوجة وإصرارها الأعمى على التشبث بها، فكان الامتداد الطبيعي للطغيان الديني طغيانا فكريا عاما، وحاسبت الناس، لا على معتقدات قلوبهم فحسب، بل على نتائج قرائحهم وبنات أفكارهم، وتوهمت أن في قدرتها أن تملك ما لا تستطيع أية قوة طاغية أن تحتكره، وهو الحقيقة العلمية فيما يتعلق بالتجربة المحسوسة أو النظر العقلي السليم، وبذلك أقحمت نفسها في متاهات كانت غنية كل الغنى عن عبورها وأثارت على نفسها حربا ضروسا لا هوادة فيها ولا تمييز.
وأول عمل مارسته الكنيسة في هذا المجال هو احتكارها للعلم وهيمنتها على الفكر البشري بأجمعه.

(1/125)


--------------------------------------------------------------------------------

يقول برنتن: "إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية حتى في أوج العصور الوسطى كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية، وكانوا جزءا من الكنيسة، حيث أن الكنيسة بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري وتوجهها وبخاصة النشاط العقلي "..." وإذن فقد كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة يكادون يحتكرون الحياة العقلية، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة والصحافة والنشر والمكتبة والمدرسة والكلية(1)، وكان أصحاب الميول الفلسفية في الدول الرومية، سواء من رجال الكنيسة أومن المسيحيين العاديين، متأثرين بتراثهم من الفكر الإغريقي في ميادين العلم والفلسفة، لا سيما آراء أرسطو وبطليموس، وقد بذلوا جهودهم في التوفيق بين معتقداتهم الدينية وآرائهم الفلسفية، ونشأ عن ذلك فلسفة مركبة تسمى " الفلسفة المسيحية" وهي خليط من نظريات الإغريق وظواهر التوراة والأناجيل وأقوال القديسين القدامى، ولما كان العلم والفلسفة في ذلك العصر شيئا واحدا، فقد أدمج الفلاسفة المسيحيون في صرح فلسفتهم كل ما وصل إليه العلم البشري في عصرهم من النظريات الكونية والجغرافية والتاريخية، ورأت الكنيسة في هذه الفلسفة التوفيقية خير معين على الدفاع عن تعاليمها ضد المارقين والناقدين،(2) فتبنتها رسميا وأقرتها مجامعها المقدسة حتى أضحت جزءا من العقيدة المسيحية ذاتها وامتدت يد التحريف فأدخلت بعض هذه المعلومات في صلب الكتب الدينية المقدسة.
__________
(1) أفكار ورجال: (231).
(2) انظر: استمداد المسيحية من الفلسفة من كتاب المشكلة الأخلاقية والفلاسفة: (ص:101) فما بعد.

(1/126)


--------------------------------------------------------------------------------

ولم يبدأ عصر النهضة الأوروبية في الظهور حتى كانت آراء أرسطو في الفلسفة والطب ونظرية العناصر الأربعة ونظرية بطليموس في أن الأرض مركز الكون، وما أضاف إلى ذلك القديس أوغسطين وكليمان الإسكندري وتوما الأكويني، أصولا من أصول الدين المسيحي وعقائد مقدسة لا يصح أن يتطرق إليها الشك".
وكانت الفلسفة المسيحية هذه تشتمل على معلومات تفصيلية عن الكون تقول: "إن الله خلق العالم ابتداء من سنة (4004 ق.م) وتوج ذلك بخلق الإنسان في جنة عدن على مسيرة يومين من البصرة بالضبط، والعجيب أنها ظلت مصرة على هذا الرأي حتى مطلع القرن التاسع عشر، فقد طبع كتاب الأسقف " آشر" الذي يحمل هذه النظرية سنة (1779م)"(1).
أما تاريخ الطوفان فتختلف فيه تقاويم التوراة، لكنه على أقصى آرائها وقع بعد خلق آدم بـ(2262) سنة(2).
ومعنى ذلك أنه كان سنة (1742ق.م) ومن الطريف أن مجلسا كنسيا كان قد أعلن في بداية القرن العاشر للميلاد أن القرن الأخير من حياة العالم قد استهل؛ لأن الله قد جعل المدة بين إنزال ابنه ونهاية العالم ألف سنة فقط(3).
أما معلوماتها الطبية، فقد كانت أفضل وأنجح الوسائل العلاجية في نظرها إقامة الطقوس لطرد الشياطين التي تجلب المرض، ورسم إشارة لصليب، ووضع صور العذراء والقديسين تحت رأس المريض ليشفى.
وعرفت أوروبا الطريق إلى النهضة بفضل مراكز الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية وجنوب إيطالية، التي كانت تشع نور العلم والمعرفة على القارة المستغرقة في دياجير الخرافة والجهل، فاستيقظ العقل الأوروبي من سباته، وأخذ يقتبس عن المسلمين طرائق البحث ومناهج التفكير التي تجعله يكد ويعمل في مجال اختصاصه دون وصاية ضاغطة.
__________
(1) انظر: معالم تاريخ الإنسانية: (ج:1) (ص:16).
(2) انظر: إظهار الحق (218).
(3) انظر: قصة الحضارة (14: 379).

(1/127)


--------------------------------------------------------------------------------

وثارت ثائرة رجال الكنيسة على الذين يتلقون علوم الكفار (المسلمين)، ويعرضون عن التعاليم المقدسة، فأعلنت حالة الطوارئ ضدهم، وشكلت محاكم التفتيش في كل مكان تتصيدهم وتذيقهم صنوف النكال.
وأصدرت منشورات بابوية جديدة تؤكد العقائد السابقة وتلعن وتحرم مخالفيها، وبذلك قامت المعركة على قدم وساق وأخذت تزداد سعارا بمرور الأيام.
وكان من سوء طالع الكنيسة أن النظريات الكونية سبقت النظريات الإنسانية في الظهور، وهي نظريات أثبتت الأيام صحتها - إجمالا - بخلاف الأخرى، وبذلك قدر للكنيسة أن تصطدم بالصحيح قبل الزائف، فلما خسرت معركتها معه سهلت هزيمتها أمام الآخر.
هذا وسنستعرض بإيجاز هذا الصراع مراعين التسلسل التاريخي:
أولا: مطلع العصر الحديث والقرن السابع عشر:
إن النظرية التي هزت الكنيسة لأول مرة هي نظرية كوبرنيق (1543) الفلكية، فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة، وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون وتقول: إن الأجرام السماوية كافة تدور حولها(1).
فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك كان جديرا بأن يقع في قبضة محكمة التفتيش، ولم ينج من ذلك لأنه كان قسيسا، بل لأن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل؟. فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه " حركات الأجرام السماوية "ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.
وظنت أن أمر هذه النظرية قد انتهى، ولكن رجلا آخر هو " جردانو برونو" بعث النظرية بعد وفاة صاحبها فقبضت عليه محكمة التفتيش وزجت به في السجن ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة 1600م وذرت رماده في الهواء وجعلته عبرة لمن اعتبر.
__________
(1) حول هذه النظرية: انظر: كتب غيرت وجه العالم. دوانز الفصل الخاص بكتاب كوبرنيق.

(1/128)


--------------------------------------------------------------------------------

وبعد موته ببضع سنوات كان " جاليلو " قد توصل إلى صنع المرقب "التلسكوب" فأيد تجريبيا ما نادى به أسلافه نظريا، فكان ذلك مبررا للقبض عليه ومحاكمتة و" قضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات"(1) ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريقة التي انتهى بها برونو أعلن ارتداده عن رأيه وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلا: "أنا جاليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض، وتعهد مع هذا بتبليغ المحكمة عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل"(2).
هؤلاء هم زعماء النظرية، وهذا هو موقف الكنيسة منهم، وليس غريبا أن تضطهدهم وتحارب أفكارهم، فإن أفكارها لا تعيش إلا في الظلام، وهي لن تستعبد الناس بالحق، بل بالخرافة.. ولكن الغريب هو أدلتها الدينية التي ساقتها لتكذيب النظرية وما كان ليضير الدين في شيء أن تصدق أو تكذب.
__________
(1) معالم تاريخ الإنسانية (1/1008).
(2) قصة النزاع بين الدين والفلسفة: توفيق الطويل (205)، وانظر: كذلك: تكوين العقل الحديث (3/348).

(1/129)


--------------------------------------------------------------------------------

قالت الكنيسة: إن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن الأقنوم الثاني - المسيح - تجسد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني، كما أن التوراة تقول: "الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق"(1) أما كروية الأرض وسكنى جانبها الآخر فنفتها الكنيسة بحجة أن " من خطل الرأي أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رءوسهم، وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة إلى أسفل، وقالت: إنه لو صح هذا الزعم لوجب أن يمضي المسيح إلى سكان الوجه الآخر من الأرض ويموت مصلوبا هناك من أجل خلاصهم"(2).
ومع ذلك، فلم يكد القرن السابع عشر يستهل حتى كان لنظرية كوبرنيق وما أضاف إليها برونو وجاليلو آثار واسعة، ظلت راسخة في الفلسفة الأوروبية عامة، فقد أفقدت الكثيرين ثقتهم في الكنيسة، وأدت إلى التشكيك في سلامة معلوماتها، وهو أثر له أهميته القصوى، كما أنها أعطت الأولوية للتجربة والبحث العقلي في الوصول إلى الحقائق، وإضافة إلى ذلك قدمت إيحاءات فلسفية جديدة، فقد هزت فكرة الثبات المطلق التي كانت مسيطرة على العقلية الأوروبية وحطت كذلك من قيمة الإنسان ومكانته في الوجود أو هكذا تخيل الناس آنذاك.
وفي القرن السابع عشر تبلور النزاع واتخذ شكلا جديدا؛ فقد أصبح النزاع بين مرقب جاليلو وحجج الكنيسة الواهية، نزاعا بين النص الذي تعتمد عليه أدلتها وبين العقل والنظر الذي استند إليه أصحاب النظريات الجديدة.
وثار العلماء ودعاة التجديد مطالبين بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة بعيدا عن الوحي، ولم يجرؤ دعاة المذهب العقلي أول الأمر على إنكار الوحي بالكلية، بل جعلوا لكل من الطرفين دائرة خاصة يعمل فيها مستقلا عن الآخر.
__________
(1) المصدر السابق: (203) وفي أصل العهد القديم والأرض قائمة مدى الدهر"، انظر: الفصل الأول (5-6)، سفر الجامعة.
(2) المصدر السابق.

(1/130)


--------------------------------------------------------------------------------

وكان مذهب " ديكارت " أبرز المذاهب الفلسفية في هذا العصر، وقد دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة واستثنى من ذلك -لسبب ما - الدين والعقائد الكنسية والنصوص المقدسة، وكان يرى "أن ميدان العلم الطبيعة، وموضوعه استغلال القوى الطبيعية، وأدواته الرياضة والتجربة، ويختص الدين بمصائر النفس في العالم الآخر، ويعتمد على الاعتقاد والتسليم، فلا مضايقة بين العلم والدين ولا سلطان لأحدهما على الآخر"(1).
وهذه الازدواجية الديكارتية وجدت لها نظيرا في منهج بيكون التجريبي، الذي قال عنه أندرسن: " إن أعظم مآثر بيكون الفصل بين العلم البشري والوحي الإلهي "، فعند بيكون يمكن أن تكون أي قضية خاطئة تماما في نظر العقل، ولكنها صحيحة تماما لأنها نظر الدين(2).
والواقع أن المذهب الازدواجي ليس إلا مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالوحي إلى الإنكار المطلق له.
ومع ذلك فقد وجد فلاسفة آخرون معاصرون لهؤلاء لم ترق لهم هذه الفلسفة، بل أغرتهم تفاهة آراء الكنيسة وحقدهم عليها أن يهاجموا التعاليم الدينية هجوما مباشرا.
وكان " سبينوزا" -بحكم يهوديته- أعنف هؤلاء، فقد طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه، ووضع الأسس التي قامت عليها "مدرسة النقد التاريخي" التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية -أي: على أساس أنها تراث بشري وليست وحيا إلهيا- وبالفعل حقق " سبينوزا " نتائج إيجابية:
__________
(1) العلم والدين في الفلسفة المعاصرة - إميل بوترو (19).
(2) انظر: عن بيكون سلسلة تراث الإنسانية، (ج:2).

(1/131)


--------------------------------------------------------------------------------

فمثلا: استنتج أن أسفار التوراة لم يكتبها موسى، مستدلا بما جاء في سفر التثنية من ذكر موت موسى ورثائه، وقول كاتب السفر: "لم يأت نبي مثله من بعده "، وأيضا استطاع أن يثبت أن التوراة قد عينت أماكن بأسماء لم " توضع لها إلا بعد موسى بقرون عديدة "(1) كما استطاع " باسكال" أن يوجه نقده إلى عقيدة الخطيئة قائلا: " لا شيء يزحم العقل الإنساني بالألم كعقيدة الخطيئة الأصلية، وإنه ليبدو أبعد ما يكون عن العقل أن يعاقب إنسان من أجل خطيئة اقترفها أحد أسلافه منذ أربعة آلاف سنة "(2).
أما " جون لوك " فقد خطا خطوة أبعد من ديكارت بأن طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلا: "من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالا فقد أطفأ نور كليهما، وكان مثله كمثل من يقنع إنسانا بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق"(3).
كما دعا إلى تطبيق مبدأ جديد على الحياة الأوروبية آنذاك، وهو مبدأ التسامح الديني، وإعطاء الحق لكل إنسان في أن يعتنق ما يشاء ويكفر بما يشاء من الأديان والمذاهب.
على أن نقد هؤلاء الرواد لم يصل إلى إنكار الوحي والرسالات السماوية بصراحة، كما أنه ظل خافتا أمام بطش محاكم التفتيش أو على الأقل أمام ضغط المجتمع الذي كان يدين بالمسيحية ويراها جزءا من كيانه وتراثا عزيزا عليه.
وقد تعرضت كتب ديكارت وسبينوزا ولوك وأضرابها للحرق والمصادرة، كما تعرضوا شخصيا للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة، إلا أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافات الداخلية بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من الاهتمام.
__________
(1) انظر: "المشكلة الأخلاقية والفلاسفة" (122) ورسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا، ترجمة: حسن حنفي.
(2) المصدر السابق: (133).
(3) قصة النزاع (…/214).

(1/132)


--------------------------------------------------------------------------------

كما أن النظريات الجديدة عن الكون في هذا القرن قد غمرت الأفكار الفلسفية، واستأثرت بالاهتمام البالغ من قبل الأوساط الدينية والعلمية على السواء، وأعظم هذه النظريات " نظرية الجاذبية " لإسحاق نيوتن.
ولد إسحاق نيوتن في السنة التي توفي فيها جاليلو 1642ق.م) ويعد عمله تتميما لما بدأه جاليلو، فقد مهد اكتشاف جاليلو لقانون البندول سنة (1604م) الطريق أمام النظرية القائلة " إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعه بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها "(1)، وبذلك كان هذا الاكتشاف الضئيل بمثابة النواة للمذهب "الطبيعي "والنظرية الميكانيكية اللذين كان لهما صدى واسع فيما بعد.
وقد حاربت الكنيسة هذه النظرية وشنعت على معتنقيها قائلة: إن الأشياء لا تعمل بذاتها ولكن عناية الله هي التي تسيرها، ولم تكن الكنيسة من سعة الأفق على جانب يسمح لها بتفهم عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله تعالى باعتباره الفاعل الحقيقي، وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة، بل كان حنقها على كل جديد صارفا لها عن ذلك، كما أن أصحاب النظرية اندفعوا وراء رد الفعل الأهوج، فأنكروا عمل العناية الإلهية وربط الأسباب بالمسببات، معتقدين أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه حسب تعبيرهم.
__________
(1) العلوم والدين: (19).

(1/133)


--------------------------------------------------------------------------------

فلما جاء نيوتن بنظرية الجاذبية مؤيدة بقانون رياضي مطرد انبهرت عقول الفئات المثقفة واتخذها أعداء الدين سلاحا قويا حتى لقد سميت "الثورة النيوتونية" وأحس هؤلاء بنشوة انتصار عظيمة، فقد أمكن تفسير الكون كله بهذا القانون الخارق، كما تأكدت صحة نظريات كوبرنيق وبرونو وجاليلو، وفي الوقت نفسه اهتز موقف الكنيسة وتداعت حججها الواهية أكثر من ذي قبل، ولجأت إلى التعسف والعنف، وهاجم رجالها نيوتن الذي كان مؤمنا بوجود الله، بحجة أنها تفضي إلى إنكار وجود الله، بنفي العناية الإلهية من الكون، وقد ثبت أنهم كانوا على حق في توقعهم هذا، لكنهم كانوا مخطئين في موقفهم من النظرية، فقد ساعد هذا الموقف الخاطئ على الوصول إلى تلك النتيجة الباطلة.
ولا شك أن نظرية نيوتن من أعظم النظريات العلمية أثرا في الحياة الأوروبية، فهي التي وضعت الفكر المادي الغربي، وإليها يعزى الفضل الأكبر في نجاح كل من المذهب العقلي والمذهب الطبيعي، كما أن مذهب الإيمان بإله مع إنكار الوحي والإلحاد ذاته مدانان لهذه النظرية من قريب أو بعيد، على أن هذه الآثار لم تظهر إلا فيما بعد.
أما في القرن السابع عشر فإن النتائج الإيجابية التي أمكن للعلماء أن يكونوا منها النظرية العلمية المعادية لتعاليم الكنيسة، والتي اشتقت من نظريتي كوبرنيق ونيوتن - هي كما لخصها " برتراندرسل " ثلاث نتائج:
1-أن تقرير الحقائق يجب أن يبنى على الملاحظة لا على الرواية غير المؤيدة (أي: النصوص).
2-أن العالم غير الحيواني نظام متفاعل في نفسه مستبق لنفسه، وتنطبق كل التغيرات فيه مع قوانين الطبيعة.
3-أن الأرض ليست مركز الكون وأن الإنسان ربما لا يكون الهدف من وجودها، إذا كان لوجودها أي هدف، وفوق ذلك أن فكرة الهدف فكرة لا فائدة منها من الناحية العلمية "(1).
__________
(1) أثر العلم في المجتمع (6).

(1/134)


--------------------------------------------------------------------------------

وإذا كان القرن السابع عشر هو قرن الانتفاضة العارمة على الكنيسة ومبادئها، فإنه كذلك القرن الذهبي لمحاكم التفتيش، فقد قاسى العلماء أنواع الاضطهاد، واستخدمت ضدهم أساليب القمع الوحشية وظهرت الفهارس أو "القوائم البابوية " التي تحتوي على أسماء الكتب المحرمة، وكان وجود شيء من هذه الكتب في حوزة إنسان ذريعة لسوقه إلى محك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmady.yoo7.com
 
تابع العلمانية نشأتها وتطورها
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
احمد يوسف الخضمي :: القسم العام :: الحروب-
انتقل الى: