احمد يوسف الخضمي

احمد يوسف الخضمي


 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تابع الرحيق المختوم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد يوسف الخضمي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 274
تاريخ التسجيل : 11/06/2010

مُساهمةموضوع: تابع الرحيق المختوم   الخميس يوليو 01, 2010 4:25 am

غزوة بني لحيان
بنو لحيان هم الذين كانوا قد غدروا بعشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع، وتسببوا في إعدامهم، ولكن لما كانت ديارهم متوغلة في الحجاز إلى حدود مكة . والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريش والأعراب، لم يكن يري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوغل في البلاد بمقربة من العدو الأكبر، فلما تخاذلت الأحزاب، واستوهنت عزائمهم، واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما، رأي أن الوقت قد آن لأن يأخذ من بني لحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع، فخرج إليهم في ربيع الأول أو جمادي الأولي سنة 6 هـ في مائتين من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأظهر أنه يريد الشام، ثم أسرع السير حتى انتهي إلى بطن غران ـ واد بين أمج وعسفان ـ حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، وسمعت به بنو لحيان فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يقدروا عليهم، فسار إلى عسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كراع الغميم لتسمع به قريش، ثم رجع إلى المدينة . وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة .


(1/284)


--------------------------------------------------------------------------------

متابعة البعوث والسرايا
ثم تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إرسال البعوث والسرايا، وهاك صورة مصغرة منها :
1 ـ سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر في ربيع الأول أو الآخر سنة 6هـ . خرج عكاشة في أربعين رجلا إلى الغمر، ماء لبني أسد، ففر القوم، وأصاب المسلمون مائتي بعير ساقوها إلى المدينة .
2 ـ سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في ربيع الأول أو الآخر سنة 6 هـ . خرج ابن مسلمة في عشرة رجال إلى ذي القصة في ديار بني ثعلبة، فكمن القوم لهم ـ وهم مائة ـ فلما ناموا قتلوهم إلا ابن مسلمة فإنه أفلت منهم جريحا .
3 ـ سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر سنة 6 هـ، وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على إثر مقتل أصحاب محمد بن مسلمة، فخرج ومعه أربعون رجلا إلى مصارعهم، فساروا ليلتهم مشاة، ووافوا بني ثعلبة مع الصبح فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصابوا رجلا واحدا فأسلم، وغنموا نعما وشاء .
4 ـ سرية زيد بن حارثة إلى الجموم في ربيع الآخر سنة 6هـ ـ والجموم ماء لبني سليم في مر الظهران ـ خرج إليهم زيد فأصاب امرأة من مزينة يقال لها : حليمة، فدلتهم على محلة من بني سليم أصابوا فيها نعما وشاء وأسري، فلما قفل زيد بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزينية نفسها وزوجها .
5 ـ سرية زيد إلى العيص في جمادي الأولي سنة 6 هـ في سبعين ومائة راكب، وفيها أخذت أموال عير لقريش كان قائدها أبو العاص ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأفلت أبو العاص، فأتي زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم رد أموال العير عليه ففعلت، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس برد الأموال من غير أن يكرههم، فردوا الكثير والقليل والكبير والصغير حتى رجع أبو العاص إلى مكة، وأدي الودائع إلى أهلها، ثم أسلم وهاجر، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الأول بعد ثلاث سنين ونيف، كما ثبت في الحديث الصحيح ردها بالنكاح الأول ؛ لأن آية تحريم المسلمات على الكفار لم تكن نزلت إذ ذاك، وأما ما ورد من الحديث من أنه رد عليه بنكاح جديد، أو رد عليه بعد ست سنين فلا يصح معني، كما أنه ليس بصحيح سندا . والعجب ممن يتمسكون بهذا الحديث الضعيف فإنهم يقولون : إن أبا العاص أسلم في أواخر سنة ثمان قبيل الفتح . ثم يناقضون أنفسهم، فيقولون : إن زينب ماتت في أوائل سنة ثمان، وقد بسطنا الكلام شيئا في تعليقنا على بلوغ المرام . وجنح موسي بن عقبة إلى أن هذا الحادث وقع في سنة 7هـ من قبل أبي بصير وأصحابه، ولكن ذلك لا يطابق الحديث الصحيح ولا الضعيف .
6 ـ سرية زيد أيضا إلى الطرف أو الطرق في جمادي الآخر سنة 6 هـ . خرج زيد في خمسة عشر رجلا إلى بني ثعلبة فهربت الأعراب، وخافوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا، وغاب أربع ليال .
7 ـ سرية زيد أيضا إلى وادي القري في رجب سنة 6 هـ . خرج زيد في اثني عشر رجلا إلى وادي القري؛ لاستكشاف حركات العدو إن كانت هناك، فهجم عليهم سكان وادي القري ؛ فقتلوا تسعة، وأفلتت ثلاثة فيهم زيد بن حارثة .
8 ـ سرية الخبط ـ تذكر هذه السرية في رجب سنة 8 هـ، ولكن السياق يدل على أنها كانت قبل الحديبية ـ قال جابر : بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرا لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمي جيش الخبط، فنحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقي إلينا البحر دابة يقال لها : العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وادهنا منه حتى ثابت منه أجسامنا، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل، فحمل عليه، ومر تحته، وتزودنا من لحمة وشائق، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك، فقال : ( هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمة شيء تطعمونا ؟ ) فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه .
وإنما قلنا : إن سياق هذه السرية يدل على أنها كانت قبل الحديبية؛ لأن المسلمين لم يكونوا يتعرضون لعير قريش بعد صلح الحديبية .


(1/285)


--------------------------------------------------------------------------------

غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع في شعبان سنة 5 أو 6 هـ
وهذه الغزوة وإن لم تكن طويلة الذيل، عريضة الأطراف من حيث الوجهة العسكرية، إلا أنها وقعت فيها وقائع أحدثت البلبلة والاضطراب في المجتمع الإسلامي، وتمخضت عن افتضاح المنافقين، والتشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس . ونسرد الغزوة أولا، ثم نذكر تلك الوقائع .
كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن إسحاق .
وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر، فأتاهم، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر .
وبعد أن تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر ندب الصحابة، وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل : أبا ذر، وقيل : نميلة بن عبد الله الليثي، وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينا ؛ ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي، فألقي المسلمون عليه القبض وقتلوه .
ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عينه، خافوا خوفا شديدا وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع ـ بالضم فالفتح مصغرا، اسم لماء من مياههم في ناحية قديد إلى الساحل ـ فتهيأوا للقتال . وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون، وقتل من قتل، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، قتله رجل من الأنصار ظنا منه أنه من العدو .
كذا قال أهل المغازي والسير، قال ابن القيم : هو وهم، فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبي ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح أغار رسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، وذكر الحديث . انتهي .
وكان من جملة السبي : جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت ابن قيس، فكاتبها، فأدي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة، فلأجل أن مبعثها كان هو رأس النفاق عبد الله بن أبي وأصحابه، نري أن نورد أولا شيئا من أفعالهم في المجتمع الإسلامي .


(1/286)


--------------------------------------------------------------------------------

دور المنافقين قبل غزوة بني المصطلق
قدمنا مرارا أن عبد الله بن أبي كان يحنق على الإسلام والمسلمين، ولاسيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم حنقا شديدا ؛ لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته، وكانوا ينظمون له الخرز ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام، فصرفهم عن ابن أبي، فكان يري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي استلبه ملكه .
وقد ظهر حنقه هذا وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعد أن تظاهر به . ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة على حمار ليعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبي فخمر ابن أبي أنفه، وقال : لا تغبروا علينا . ولما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المجلس القرآن، قال : اجلس في بيتك، ولا تؤذنا في مجالسنا .
وهذا قبل أن يتظاهر بالإسلام، ولما تظاهر به بعد بدر لم يزل إلا عدوا لله ولرسوله وللمؤمنين، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهين كلمة الإسلام . وكان يوإلى أعداءه، وقد تدخل في أمر بني قينقاع كما ذكرنا، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين، وإثارة الارتباك والفوضي في صفوفهم بما مضي .
وكان من شدة مكر هذا المنافق وخداعه بالمؤمنين أنه كان بعد التظاهر بالإسلام، يقوم كل جمعة حين يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخطبة، فيقول : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، فيقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخطب . وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يوم الجمعة التي بعد أحد ـ مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع ـ قام ليقول ما كان يقوله من قبل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا له : اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطي رقاب الناس، وهو يقول : والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد . . . فقال : ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : والله ما أبتغي أن يستغفر لي .
وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين حتى قال لهم : { لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم } [ الحشر : 11 ] .
وكذلك فعل هو وأصحابه في غزوة الأحزاب من إثارة القلق والاضطراب وإلقاء الرعب والدهشة في قلوب المؤمنين ما قصه الله تعالى في سورة الأحزاب : { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } إلى قوله : { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } [ الأحزاب : 12: 20 ] .
بيد أن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفون جيدا أن سبب غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي وكثرة السلاح والجيوش والعدد، وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي وكل من يمت بصلة إلى هذا الدين، وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيض إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو المثل الأعلى ـ إلى حد الإعجاز ـ لهذه القيم، كما عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين، أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن عن طريق استخدام السلاح، فقرروا أن يشنوا حربا دعائية واسعة ضد الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية الكاذبة الخاطئة . ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين، ولكونهم سكان المدينة، كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين . تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون، وعلى رأسهم ابن أبي .
وقد ظهرت خطتهم هذه جلية حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش، بعد أن طلقها زيد بن حارثة، فقد كان من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبني مثل الابن الصلبي، فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبني على الرجل الذي تبناه، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب وجد المنافقون ثلمتين ـ حسب زعمهم ـ لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم .
الأولى : أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة، فكيف صح له هذا الزواج ؟

(1/287)


--------------------------------------------------------------------------------

الثانية : أن زينب كانت زوجة ابنه ـ متبناه ـ فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب . وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصا وأساطير، قالوا : إن محمدا رآها بغتة، فتأثر بحسنها وشغفته حبا، وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلي سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثرت تلك الدعاية أثرا قويا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبئ عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله : { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما } [ الأحزاب : 1 ] .
وهذه إشارات عابرة، وصور مصغرة لما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المصطلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف، وكان عامة المسلمين يحترزون عن شرهم، أو يتحملونه بالصبر ؛ إذ كانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة بعد أخري حسب قوله تعالى : { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } [ التوبة : 126 ] .


(1/288)


--------------------------------------------------------------------------------

دور المنافقين في غزوة بني المصطلق
ولما كانت غزوة بني المصطلق وخرج فيها المنافقون مثلوا قوله تعالى : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } [ التوبة : 47 ] فقد وجدوا متنفسين للتنفس بالشر، فأثاروا الارتباك الشديد في صفوف المسلمين، والدعاية الشنيعة ضد النبي صلى الله عليه وسلم، وهاك بعض التفصيل عنها :


(1/289)


--------------------------------------------------------------------------------

1 ـ قول المنافقين : [ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ]
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الغزوة مقيما على المريسيع، ووردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير يقال له : جهجاه الغفاري، فازدحم هو وسنان بن وبر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ دعوها فإنها منتنة ) ، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فغضب ـ وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث ـ وقال : أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم .
فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر، فقال عمر : مر عباد بن بشر فليقتله . فقال : ( فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا ولكن أذن بالرحيل ) ، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه، وقال : لقد رحت في ساعة منكرة ؟ فقال له : ( أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ ) يريد ابن أبي، فقال : وما قال ؟ قال : ( زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) ، قال : فأنت يا رسول الله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال : يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه يري أنك استلبته ملكا .
ثم مشي بالناس يومهم ذلك حتى أمسي، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما . فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث .
أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف بالله ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار : يا رسول الله عسي أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل . فصدقه، قال زيد : فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، فأنزل الله : { إذا جاءك المنافقون } إلى قوله : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } إلى { ليخرجن الأعز منها الأذل } [ المنافقون : 1 ـ 8 ] ، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي . ثم قال : ( إن الله قد صدقك ) .
وكان ابن هذا المنافق ـ وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي ـ رجلا صالحا من الصحابة الأخيار، فتبرأ من أبيه، ووقف له على باب المدينة، واستل سيفه، فلما جاء ابن أبي قال له : والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذن له فخلي سبيله، وكان قد قال عبد الله ابن عبد الله بن أبي : يا رسول الله، إن أردت قتله فمرني بذلك، فأنا والله أحمل إليك رأسه .


(1/290)


--------------------------------------------------------------------------------

2 ـ حديث الإفك
وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك، وملخصها : أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها فظنوها فيه فحملوا الهودج، ولا ينكرون خفته؛ لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها، وأيضا فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين لم يخف عليهما الحال، فرجعت عائشة إلى منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس به داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها، والله غالب على أمره، يدبر الأمر من فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها، فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش ؛ لأنه كان كثير النوم، فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع وأناخ راحلته، فقربها إليها، فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها، حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأي ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه، ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لايتكلم، ثم استشار أصحابه ـ لما استلبث الوحي طويلا ـ في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها، ويأخذ غيرها، تلويحا لاتصريحا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء . فقام على المنبر يستعذر من عبد الله ابن أبي، فأظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته في قتله فأخذت سعد بن عبادة ـ سيد الخزرج، وهي قبيلة ابن أبي ـ الحمية القبلية، فجري بينهما كلام تثاور له الحيان، فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سكتوا وسكت .
أما عائشة فلما رجعت مرضت شهرا، وهي لاتعلم عن حديث الإفك شيئا، سوي أنها كانت لا تعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي، فلما نقهت خرجت مع أم مسطح إلى البراز ليلا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فدعت على ابنها، فاستنكرت ذلك عائشة منها، فأخبرتها الخبر، فرجعت عائشة واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتأتي أبويها وتستيقن الخبر، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوما، لم تكن تكتحل بنوم، ولا يرقأ لها دمع، حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فتشهد وقال : ( أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه ) .
وحينئذ قلص دمعها، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يدريا ما يقولان . فقالت : والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم : إني بريئة ـ والله يعلم أني بريئة ـ لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر ـ والله يعلم أني منه بريئة ـ لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف، قال : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } [ يوسف : 18 ] .
ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك . فكانت أول كلمة تكلم بها : ( يا عائشة، أما الله فقد برأك ) ، فقالت لها أمها : قومي إليه . . فقالت عائشة ـ إدلالا ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله .
والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالي : { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . . . } [ النور : 11: 20 ] . العشر الآيات .
ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها : ( يا عائشة، أما الله فقد برأك ) ، فقالت لها أمها : قومي إليه . فقالت عائشة ـ إدلالا ببراءة ساحتها، وثقة بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله .
والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالى : { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . . . } العشر الآيات [ النور : 11: 20 ] .

(1/291)


--------------------------------------------------------------------------------

وجلد من أهل الإفك مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، جلدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، والذي تولي كبره ؛ إما لأن الحدود تخفيف لأهلها، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، وإما للمصلحة التي ترك لأجلها قتله .
وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والارتياب والقلق والاضطراب عن جو المدينة، وافتضح رأس المنافقين افتضاحا لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك، قال ابن إسحاق : وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : ( كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لوقتلته يوم قلت لي : اقتله، لأرعدت له آنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ) . قال عمر : قد والله علمت، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري .


(1/292)


--------------------------------------------------------------------------------

البعوث والسرايا بعد غزوة المريسيع
1 ـ سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدومة الجندل، في شعبان سنة 6 هـ . أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه وعممه بيده، وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب، وقال له : ( إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم ) ، فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وهي أم أبي سلمة، وكان أبوها رأسهم وملكهم .
2 ـ سرية على بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك، في شعبان سنة 6 هـ . وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا يريدون أن يمدوا اليهود . فبعث إليهم عليا في مائتي رجل، وكان يسير الليل ويكمن النهار، فأصاب عينا لهم، فأقر أنهم بعثوه إلى خيبر يعرضون عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر . ودل العين على موضع تجمع بني سعد، فأغار عليهم علي، فأخذ خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن، وكان رئيسهم وبر بن عليم .
3 ـ سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة إلى وادي القري، في رمضان سنة 6هـ . كان بطن من فزارة يريد اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق . قال سلمة بن الأكوع : وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة، فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل، ورأيت طائفة وفيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم، ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، وفيهم امرأة هي أم قرفة، عليها قشع من أديم، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ثوبا، وقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أم قرفة، فبعث بها إلى مكة، وفدي بها أسري من المسلمين هناك .
وكانت أم قرفة شيطانة تحاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وجهزت ثلاثين فارسا من أهل بيتها لذلك، فلاقت جزاءها، وقتل الثلاثون .
4 ـ سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين، في شوال سنة 6 هـ، وذلك أن رهطا من عكل وعرينة أظهروا الإسلام، وأقاموا بالمدينة فاستوخموها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذود في المراعي، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل، وكفروا بعد إسلامهم، فبعث في طلبهم كرزا الفهري في عشرين من الصحابة، ودعا على العرنيين : ( اللهم أعم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك ) ، فعمي الله عليهم السبيل فأدركوا، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، جزاء وقصاصا بما فعلوا، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا ، وحديثهم في الصحيح عن أنس .
ويذكر أهل السير بعد ذلك سرية عمرو بن أمية الضمري مع سلمة بن أبي سلمة، في شوال سنة 6 هـ . أنه ذهب إلى مكة لاغتيال أبي سفيان ؛ لأن أبا سفيان كان أرسل أعرابيا لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، بيد أن المبعوثين لم ينجحا في الاغتيال، لاهذا، ولا ذاك . ويذكرون أن عمرا قتل في الطريق ثلاثة رجال، ويقولون : إن عمرا أخذ جثة الشهيد خبيب في هذا السفر، والمعروف أن خبيبا استشهد بعد الرجيع بأيام أو أشهر، ووقعة الرجيع كانت في صفر سنة 4 هـ، فلا أدري هل اختلط السفران على أهل السير، أو كان الأمران في سفر واحد في السنة الرابعة، وقد أنكر العلامة المنصورفوري أن تكون هذه السرية سرية حرب أو مناوشة . والله أعلم .
هذه هي السرايا والغزوات بعد الأحزاب، وبني قريظة، لم يجر في واحدة منها قتال مرير، وإنما وقعت فيما وقعت مصادمة خفيفة، فليست هذه البعوث إلا دوريات استطلاعية، أو تحركات تأديبية ؛ لإرهاب الأعراب والأعداء الذين لم يستكينوا بعد . ويظهر بعد التأمل في الظروف أن مجري الأيام كان قد أخذ في التطور بعد غزوة الأحزاب، وأن أعداء الإسلام كانت معنوياتهم في انهيار متواصل، ولم يكن بقي لهم أمل في نجاح كسر الدعوة الإسلامية وخضد شوكتها، إلا أن هذا التطور ظهر جليا بصلح الحديبية، فلم تكن الهدنة إلا الاعتراف بقوة الإسلام، والتسجيل على بقائها في ربوع الجزيرة العربية .


(1/293)


--------------------------------------------------------------------------------

عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة 6 هـ

سبب عمرة الحديبية
ولما تطورت الظروف في الجزيزة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئا فشيئا، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي كان قد صد عنه المشركون منذ ستة أعوام .
أري رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر .


(1/294)


--------------------------------------------------------------------------------

استنفار المسلمين
واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه، فأبطأ كثير من الأعراب، أما هو فغسل ثيابه، وركب ناقته القصواء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم أو نميلة الليثي . وخرج منها يوم الإثنين غرة ذي القعدة سنة 6 هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال : ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلاح، إلا سلاح المسافر : السيوف في القرب .


(1/295)


--------------------------------------------------------------------------------

المسلمون يتحركون إلى مكة
وتحرك في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة؛ ليأمن الناس من حربه، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه عينه، فقال : إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش ، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقال : ( أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا يكن عنق قطعها الله، أم تريدون أن نؤم هذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ ) فقال أبو بكر : الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فروحوا ) ، فراحوا .


(1/296)


--------------------------------------------------------------------------------

محاولة قريش صد المسلمين عن البيت
وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي صلى الله عليه وسلم عقدت مجلسا استشاريا قررت فيه صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن، فبعد أن أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأحابيش، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشا نازلة بذي طوي، وأن مائتي فارس في قيادة خالد بن الوليد مرابطة بكراع الغميم في الطريق الرئيسي الذي يوصل إلى مكة . وقد حاول خالد صد المسلمين، فقام بفرسانه إزاءهم يتراءي الجيشان . ورأي خالد المسلمين في صلاة الظهر يركعون ويسجدون، فقال : لقد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم لأصبنا منهم، ثم قرر أن يميل على المسلمين ـ وهم في صلاة العصر ـ ميلة واحدة، ولكن الله أنزل حكم صلاة الخوف، ففاتت الفرصة خالدا .


(1/297)


--------------------------------------------------------------------------------

تبديل الطريق ومحاولة اجتناب اللقاء الدامي
وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقا وعرا بين شعاب، وسلك بهم ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، وترك الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم مارا بالتنعيم، تركه إلى اليسار، فلما رأي خالد قترة الجيش الإسلامي قد خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيرا لقريش .
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته، فقال الناس : حل حل، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ) ، ثم قال : ( والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) ، ثم زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصي الحديبية، على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث أن نزحوه . فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا .


(1/298)


--------------------------------------------------------------------------------

بديل يتوسط بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش
ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال : إني تركت كعب ابن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره ) .
قال بديل : سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتي قريشا، فقال : إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم .
فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء . وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته . قال : سمعته يقول كذا وكذا، فبعثت قريش مكرز بن حفص، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هذا رجل غادر، فلما جاء وتكلم قال له مثل ما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم .


(1/299)


--------------------------------------------------------------------------------

رسل قريش
ثم قال رجل من كنانة ـ اسمه الحليس بن علقمة : دعوني آته . فقالوا : ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها ) ، فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأي ذلك . قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه، فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أري أن يصدوا، وجري بينه وبين قريش كلام أحفظه .
فقال عروة بن مسعود الثقفي : إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، فأتاه، فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل . فقال له عروة عند ذلك : أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخري فوالله إني لا أري وجوها، وإني أري أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، قال له أبو بكر : امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه ؟ قال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر، قال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك . وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوي عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، وقال : من ذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة، فقال : أي عذر، أو لست أسعي في غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء ) ( وكان المغيرة ابن أخي عروة ) .
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له، فرجع إلى أصحابه، فقال : أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على قيصر وكسري والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .


(1/300)


--------------------------------------------------------------------------------

هو الذي كف أيديهم عنكم
ولما رأي شباب قريش الطائشون، الطامحون إلى الحرب، رغبة زعمائهم في الصلح فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح، فقرروا أن يخرجوا ليلا، ويتسللوا إلى معسكر المسلمين، ويحدثوا أحداثا تشعل نار الحرب، وفعلا قد قاموا بتنفيذ هذا القرار، فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلا فهبطوا من جبل التنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن مسلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعا .
ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبي صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، وفي ذلك أنزل الله : { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } [ الفتح : 24 ]


(1/301)


--------------------------------------------------------------------------------

عثمان بن عفان سفيرا إلى قريش
وحينئذ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث سفيرا يؤكد لدي قريش موقفه وهدفه من هذا السفر، فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم، فاعتذر قائلا : يا رسول الله، ليس لي أحد بمكة من بني عدي بن كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت، فدعاه، وأرسله إلى قريش، وقال : أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان .
فانطلق عثمان حتى مر على قريش ببلدح، فقالوا : أين تريد ؟ فقال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا، قالوا : قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك، وقام إليه أبان ابن سعيد بن العاص، فرحب به ثم أسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس، وأجاره وأردفه حتى جاء مكة، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، فرفض هذا العرض، وأبي أن يطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم .


(1/302)


--------------------------------------------------------------------------------

إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان
واحتبسته قريش عندها ـ ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن، ويبرموا أمرهم، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة ـ وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغته الإشاعة : ( لا نبرح حتى نناجز القوم ) ، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال : ( هذه عن عثمان ) . ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له : جد بن قيس .
أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذا بيده، ومعقل بن يسار آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } الآية [ الفتح : 18 ]


(1/303)


--------------------------------------------------------------------------------

إبرام الصلح وبنوده
وعرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه \ قال : ( قد سهل لكم أمركم ) ، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فجاء سهيل فتكلم طويلا، ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي هذه :
1 . الرسول صلى الله عليه وسلم يرجع من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثا، معهم سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا يتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض .
2 . وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض .
3 . من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق .
4 . من أتي محمدا من قريش من غير إذن وليه ـ أي هاربا منهم ـ رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد ـ أي هاربا منه ـ لم يرد عليه .
ثم دعا عليا ليكتب الكتاب، فأملي عليه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل : أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو ؟ ولكن اكتب : باسمك اللهم . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . ثم أملي : ( هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ) فقال سهيل : لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله فقال : ( إني رسول الله وإن كذبتموني ) ، وأمر عليا أن يكتب : محمد بن عبد الله، ويمحو لفظ رسول الله، فأبي على أن يمحو هذا اللفظ . فمحاه صلى الله عليه وسلم بيده، ثم تمت كتابة الصحيفة، ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب، كما قدمنا في أوائل الكتاب، فكان دخولهم في هذا العهد تأكيدا لذلك الحلف القديم ـ ودخلت بنو بكر في عهد قريش .


(1/304)


--------------------------------------------------------------------------------

رد أبي جندل
وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمي بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل : هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا لم نقض الكتاب بعد ) .
فقال : فوالله إذا لا أقاضيك على شيء أبدا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأجزه لي ) . قال : ما أنا بمجيزه لك . قال : ( بلى فافعل ) ، قال : ما أنا بفاعل . وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه، وأخذ بتلابيبه وجره ؛ ليرده إلى المشركين، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم ) .
فوثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول : اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه، يقول عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية .


(1/305)


--------------------------------------------------------------------------------

النحر والحلق للحل عن العمرة
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب قال : ( قوموا فانحروا ) ، فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت : يا رسول الله، أتحب ذلك ؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأي الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، وكانوا نحروا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم جملا كان لأبي جهل، كان في أنفه برة من فضة، ليغيظ به المشركين، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا بالمغفرة وللمقصرين مرة . وفي هذا السفر أنزل الله فدية الأذي لمن حلق رأسه، بالصيام، أو الصدقة، أو النسك، في شأن كعب بن عجرة .


(1/306)


--------------------------------------------------------------------------------

الإباء عن رد المهاجرات
ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردهن عليهم بالعهد الذي تم في الحديبية، فرفض طلبهم هذا ؛ بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصدد هذا البند هي : ( وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته علينا ) ، فلم تدخل النساء في العقد رأسا . وأنزل الله في ذلك : { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } ، حتى بلغ { بعصم الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقوله تعالى : { إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا . . . } إلخ [ الممتحنة : 12 ] ، فمن أقرت بهذه الشروط قال لها : ( قد بايعتك ) ، ثم لم يكن يردهن .
وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم . فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، تزوج بإحداهما معاوية، وبالأخري صفوان بن أمية .


(1/307)


--------------------------------------------------------------------------------

ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة
هذا هو صلح الحديبية، ومن سبر أغوار بنوده مع خلفياته لا يشك أنه فتح عظيم للمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف، بل كانت تهدف استئصال شأفتهم، وتنتظر أن تشهد يوما ما نهايتهم، وكانت تحاول بأقصي قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية وبين الناس، بصفتها ممثلة الزعامة الدينية والصدارة الدنيوية في جزيرة العرب، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين، وأن قريشا لا تقدر على مقاومتهم، ثم البند الثالث يدل بفحواه على أن قريشا نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية، وأنها لاتهمها الآن إلا نفسها، أما سائر الناس وبقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها، فلايهم ذلك قريشا، ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل . أليس هذا فشلا ذريعا بالنسبة إلى قريش ؟ وفتحا مبينا بالنسبة إلى المسلمين ؟ إن الحروب الدامية التي جرت بين المسلمين وبين أعدائهم لم تكن أهدافها ـ بالنسبة إلى المسلمين ـ مصادرة الأموال وإبادة الأرواح، وإفناء الناس، أو إكراه العدو على اعتناق الإسلام، وإنما كان الهدف الوحيد الذي يهدفه المسلمون من هذه الحروب هو الحرية الكاملة للناس في العقيدة والدين { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [ الكهف : 29 ] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmady.yoo7.com
 
تابع الرحيق المختوم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
احمد يوسف الخضمي :: القسم العام :: الحروب-
انتقل الى: